الغزالي
508
إحياء علوم الدين
غافل فينشط بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة ، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل ، وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر ، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار وتتضاعف أجورهم ، فإن كان في العمل الواحد عشر نيات كان فيه عشر أجور . ولهذا نقول : قراءة القرءان في المصاحف أفضل ، إذ يزيد في العمل النظر ، وتأمل المصحف ، وجمله ، فيزيد الأجر بسببه . وقد قيل الختمة في المصحف بسبع ، لأن النظر في المصحف أيضا عبادة . وخرق عثمان رضي الله عنه مصحفين لكثرة قراءته منهما ، فكان كثير من الصحابة يقرؤن في المصاحف ، ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف . ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعي رضي الله عنه في السحر وبين يديه مصحف ، فقال له الشافعي : شغلكم الفقه عن القرءان ، إني لأصلى العتمة وأضع المصحف بين يدي فما أطبقه حتى أصبح العاشر : تحسين القراءة وترتيلها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير النظم ، فذلك سنة . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « زيّنوا القرءان بأصواتكم » وقال عليه السلام : [ 2 ] « ما أذن الله لشيء إذنه لحسن الصّوت بالقرءان » وقال صلَّى الله عليه وسلم : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرءان » فقيل أراد به الاستغناء ، وقيل أراد به الترنم . وترديد الألحان به ، وهو أقرب عند أهل اللغة . وروى أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم كان ليلة [ 3 ] ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه فقال صلَّى الله عليه وسلم ما حبسك ؟ قالت : يا رسول الله كنت أستمع قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه ، فقام صلَّى الله عليه وسلم حتى استمع إليه طويلا ثم رجع ، فقال صلَّى الله عليه وسلم : هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد لله الَّذي جعل في أمّتى مثله [ 4 ] واستمع صلَّى الله عليه وسلم أيضا ذات ليلة إلى عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما